تواصل معنا

منشور

في

بات رواد الاعمال العرب في المهجر يمثلون ظاهـرة محيّرة؛ ففي الوقت الذي يتم إلقاء اللائمة دائماً على استهتار الشباب والزيادة السكـانية ونقص الكوادر وغيرها من المبررات كمُسببات للفقر وانتشار الفساد وتهالك الانظمة التعليمية والبحثية في العالم العربي، يبرز في المقابل نماذجاً عديدة لشباب عربي استثنائي استطاع تحقيق انجازات مذهلة في مختلف المجالات في العديد من دول العالم.

ما بين مشروع ريادي مميز الى مكانة أكاديمية مرموقة وحتى الجمع بين الريادي والاكاديمي، حقق الكثير من رواد الاعمال العرب الشباب انجازات مدهشة في الخارج، الذي يعيدنا الى السؤال الأول:

ماذا لو استمروا في بلادهم العربية ؟ .. هل كانوا سيحققون ما حققوه في الخارج ؟

عدنان وحود .. من أبرز رواد الاعمال العرب في ألمانيا

عندما وصل ” عدنان وحوود ” الى فيينا عاصمة النمسا في العام 1971 ، لم يكن مسلّحاً بأي شيء تقريباً سوى ما خبرات واسعة جناها من سنوات عمله مع والده في مجال صناعة النسيج على النوال اليدوي في سـوريا. هذا كل شيء، لا مال ولا لغـة ولا فهم لطبيعة المجتمع الجديد. كان عليه ان يبدأ حيـاة جديدة مختلفة تماماً ، وأن يثبت نفسه في هذا العالم المختلف كلياً عما نشأ عليه.

بدأ حياته الجديدة ببعض المال، كان يقضى المساء في تعلم اللغـة الألمـانية ويقضي الصباح في العمل كموزّع للمواد الدعائية كوظيفة أساسية تسدد احتياجات يومه الأساسية فقط. وعندما تمكّن من اجادة اللغـة الألمـانية انتقال الى مدينة آخن الألمـانية للبدء في دراسة الهندسة الميكـانيكية صبـاحاً ، وبيع الجرائد كوظيفة جانبية تضمن له قوت يومه. واستطاع بالفعل الحصول على درجة البكالوريوس والماجستير ثم درجة الدكتـوراة التي أهلته لكي يصبح خبيراً ذا شهرة عالمية في مجال صناعة آلات النسيج وتطويرها في ألمانيا واوروبا، ومن اهم رواد الاعمال العرب في المهجر.

أكثر ما ساعد وحود في تميزه الاكاديمي هو أنه كان يعمل منذ نعومة أظفار في مجال النسيج لدى والده على النول اليدوي ، فتشرّب بشكل كامل حرفة النسيج في عروقه واصبح لديه خبرات واسعة بها بشكل نظري وعملي وتطبيقي ، زادتها الدراسة الاكاديمية المتميزة التي حصل عليها في الجامعات الألمانية ، وهو ما جعله هدفاً لأكبر شركات النسيج الأوروبية كخبير ومستشار مخضرم في هذا المجال بعد أن قدم العديد من الاختراعات والتطويرات حققت صدى واسعاً ، حتى أن بعض أساتذة الجامعة أطلقوا لقب ” بابا النسيج ” عليه.

لاحقاً ، توالت العروض الكبرى من الشركات في ألمانيا وسويسرا وبلجيكا الا انه قرر الاستقرار في ألمانيا وعمل مع العديد من الشركات الألمانية ، حتى تقاعد في العام 2011 متفـرغاً لإنجاز بعض الاعمال التطوعية في بلده الأصلي سوريا ، حيث أسس مركزاً طبياً في ريف حلب ، توسّع لاحقاً ليفتتح ستة فروع اضافية.

عماد سلام .. من هندسة الطيران الى تجارة العقارات

مثله مثل عدد كبير من العراقيين في تلك الفترة، سافـر عماد سلام في اواخر السبعينات الى بريطانيا لدراسة هندسة الطيران هناك، وبعد فتـرة وأثناء قضاءه لفتـرة الدراسة اندلع الحرب العراقية الإيرانية التي استمرّت 8 سنوات كاملة. كانت هذه الحـرب مدمّـرة بكل المقاييس ، فطلبت منه أمـه أن يكمل حياته في بريطانيا وألا يعود الى العراق مرة أخرى ، على الاقل في تلك الفتــرة.

كانت هذه الأزمة كبيـرة بالنسبة لعمـاد السلام بإعتباره الشقيق الأكبر لإخوته والمسئول الثاني مباشرة عن الاسرة بعد والدته عقب وفاة والده. ومع ذلك ، استمـر في بريطانيا بطلب من والدته فحصل على عمل في المركز الإسلامي بمانشستر براتب بسيط ، وهو الأمر الذي دفعه الى البدء في بيع اللحوم عند باب المسجد لزيادة أرباحه ، ثم طوّر عمله بشراكة مع صديق آخر يتولى بيع المواد التموينية ؟، بينما يتولى هو ذبح الخراف وبيعها.

في تلك الفتـرة ، لاحظ ان القائمين على المركز لديهم عقارات يهدفون الى زيادتها والمحافظة على اوقافهم ، وهو ما جعله ينغمس بدوره في هذا المجال حيث استطاع ان يحقق انجازات أدهشته هو شخصياً في مجال العمل الحر والتجارة والتسويق العقاري ، جعلته يتأكد بعد عامين أن العمـل الحر هو طريقه في الحياة وليس الوظيفة على الإطلاق.

بدءً من العام 1986 بدأ عماد السلام مسيرته كمطوّر عقاري ورجل اعمال حيث بدأ بشراء عمارة وانطلق منها الى بناء مجمعات سكنية ضخمة نالت جوائزاً رفيعة في تصاميمها المعمـارية والخدمات التي تقدمها للمتملّكين ، ووصل عدد الشقق التي بناها الى اكثر من ستة آلاف ، وقام بتأسيس منظومة كبيرة شملت تطوير العقارات داخليا والتوسط في بيعها ، حتى أصبح من أكبر رواد الاعمال العرب في هذا المجال في بريطانيا.

صحيح انه تعرّض للمخاطر في مسيرته المهنية عندما اندلعت الازمة المالية العالمية في العام 2008 ،التي تلاها فترة من الكساد والازمات والهبوط ، إلا أنه في تلك الفترة تحديداً استطاع ان يحصد اكبر وافضل عقوده ومشروعاته ، انطلاقاً من الكلمة المفتاحية التي يرددها دائماً ” الإيمان بالبركة “.

والى جانب مشروعات التطوير العقاري يولي العراقي عماد السلام اهتماماً بالعمل الخيري خصوصاً المدارس ، حيث أسس حتى الآن ثماني مدارس تضم أكثر من ألفي طالب.

منجد المدرس .. اللاجئ الذي أعاد تعريف الأطراف الصنـاعية

لم يصل البروفسور منجد المدرس – استاذ جراحات العظام والريادي في في مجال الاطراف الصناعيـة – الى استراليا على متن طائرة أنيقة ، ولم يستقبله مندوب من الجامعة. الواقع أنه وصل الى استراليا على ظهـر قارب لصيد الأسماك يعج باللاجئين البؤساء الذي عبروا المحيط في محاولة للوصول الى البر الاسترالي. كان هذا في العام 2000 ، وكان هذا في ظل ظـروف مأساوية واجهت جميع اللاجئين على ظهـر قارب الصيد ، كاد يفتك بهم الجوع والعطش والغرق.

عندما وصل قارب الصيد الذي يعج باللاجئين غير الشرعيين – ومن بينهم منجد المدرس – وضعتهم السلطات الاسترالية في مأوى أشبه بالمعتقل. لاحقاً ، سيظـل هذا المعتقل في ذكـرى البروفسور منجد المدرّس لفتـرة طويلة ولن ينساه بسهولة ، وسيظل يصفه بالجحيم. وهو وصف صادق على اية حال ، حيث قامت منظمات حقوق الانسان لاحقاً بتصنيفه كأسوأ معتقل من بين معتقلات اللاجئين حول العالم.

في هذا المعتقل،لم يكن الطبيب منجد المدرس يخاطب بإسمه ، وإنما يخاطب برقمه. كان اسمه هو الرقم 982 الذي طبع على ذراعه ، وبقى رقماً حتى بعد خروجه باحثاً عن عمل. بدأ حياته المهنية – ان جاز التعبيـر – في استراليا في تنظيف المراحيض ، في الوقت الذي كان يعادل فيه شهادته الاكاديمية في الطب. بعد 8 سنوات فقط من بداية تنظيفه للمراحيض في استراليا ، أصبح بروفسـوراً في جراحة العظام !

منذ تلك اللحظة ، أصبحت حياة البرفسور منجد المدرس ذات ثلاثة محاور أساسية : محور اكاديمي كأستاذ محاضر في جراحة العظام والاطراف الصناعية ، محور للدفاع عن قضايا اللاجئين ، محور للابتكار وريادة الاعمال في تخصصه كطبيب ، خصوصاً في مجال الاطراف الصناعية. وكما يقول هو ، اختار هذه المحاور الثلاثة لانها محاور عايشها بنفسه ، إما في بلده الأصلي ” العراق ” التي رأى فيها الكثير من الحروب التي خلفت الكثير من مبتوري الاطراف ، أو قضية اللاجئين الذي عايشها بنفسه بإعتباره كان لاجئاً على متن زورق يوم من الايام.

اليوم ، أصبح المدرس من أشهر رواد الاعمال العرب المتخصصين طبياً في مجال تقنية الاطراف الصناعية الذكيـة والتي تكون مرتبطة بالاعصاب والعضلات مع الربوت الذي يتحرك فوراً مع تفكيـر الشخص بآداء الحركة، الامر الذي يجعل الاشخاص مبتوري الاطراف يصلون الى أكثر درجة تمكّنهم من العيش بشكل طبيعي، بدلاً من استخدام الاطراف الصنـاعية التقليدية.

وعلى الرغم ان المرضى من حول العالم، بما فيها الولايات المتحدة وكندا يتوافدون الى استراليا لحل مشكلة الاطراف الصناعية التقليدية والحصول على الاطراف الذكية التي يطوّرها المنجد، إلا أنه هو بنفسه يقوم بمغادرة استراليا ويطوف العالم ليعلّم الاطباء والهيئات المختلفة كيفية التعامل مع تقنيات الاطراف الصناعية الذكية التي من الممكن ان تعيد الاشخاص مبتوري الاطراف الى فاعلين في مجتمعـاتهم.

الحكيمي .. من معسكر الامن المركزي الى مؤسس شركة أبحاث

مجموعة شركات GL Chemtec هي مجموعة شركات شهيرة في كندا متخصصة في الأبحاث المتعلقة بالكيمياء وتطبيقاتها. يرأس المجموعة الكيمائي الكندي اليمني الدكتـور جميل الحكيمي الذي تعد قصة نجاحه واحدة من اهم القصص الرياديـة في المجال العلمي في الخارج.

رحلة الحكيمي الى اليمن كانت طويلة وغير مباشرة، فبعد ان انتهى من دراسته الأساسيـة تم تجنيده إجبـارياً ليقضي فترة التجنيد في احد معسكـرات جنود الأمن المركزي في العاصمة اليمنية صنعاء، ثم بعد ذلك حصل على موافقة لإكمال دراسته في ألمـانيا الذي بدأ فيها أولى خطواته الأكاديمية ، وكانت الخطوة الاصعب بإعتبارات خاصة بصعوبة اللغـة والتأقلم السريع بالنسبة لشاب يمني. الا ان الامور اصبحت أكثر سهولة فيما بعد.

استطـاع الحكيمي خلال فتـرة دراسة الماجستير أن يخرج بأربعة براءات اختراع ، ثم عمل على دراسة الدكتـوراة مباشرة التي حصل فيها على أعلى درجة ممكنة وبشهادة تقدير لا يحصل عليها سوى 5 % فقط من طلبة الدكتـوراة.

بعد إنهاء درجة الدكتوراة توجّه الحكيمي الى ليبيـا واستقر فيها أربعة سنوات، ثم قرر الهجـرة مع أسرته الى كندا التي وصلها في العام 2000. كانت البداية صعبة للغـاية ، حيث اضطـر ان يبحث عن عمـل خلال شهـوره الثلاثة الأولى – رغم انه يحمل شهادة دكتوراة وخبرات واسعة – استطـاع في النهاية أن يتواصل مع أحد اساتذة الكيمياء التحليلية في جامعة تورنتو الذي اتاح له عملاً بأجر متوسط. ثم استطـاع أن يلتحق بالعمل في شركة بترو كندا لأربعة سنوات ، استطـاع فيها الحكيمي ان يتأقلم مع مجتمعه الجديد ويحصل على خبرات واسعة.

لاحقاً ، ترك الحكيمي وظيفته المريحة في شرطة النفط والراتب الطائل الذي كان يتقاضاها ، وقرر افتـتاح شركة ناشئة متخصصة في مجال البحوث الكيميائية وتطبيقاتها ، في الوقت الذي يقوم فيه بالتدريس بالجامعة بدوام كامل. واستطاعت شركته تحقيق مستوى عالٍ من الكفاءة والمصداقية والابتكـارات المدهشة ، فضـلاً عن اتاحتها لعناصر وفرص الإبداع وتوفير بيئة عمل إبداعية ، لتتحول الى شركة مشهـود لها بالكفاءة في السوق الكنـدي، ونموذج لانجازات واحد من رواد الاعمال العرب.

عدنان مجلي .. العلم والبيزنس وجهـان لعملة واحدة

في بلدة طوباس الفلسطينية ولد ” عدنان مجلي ” طفلاً بين تسعة اخوة واخوات لوالد يعمل مزارعاً لم يكن في همّه شيء سوى ان يعلم أبناءه تعليماً جيداً مهما كلّفه الأمر. أثبتت الأيام نجـاح الأب في ذلك بإمتياز، حيث أصبح ولده ” عدنان ” واحداً من أبرز الشخصيات العربية العالمية التي تجمع ما بين التخصص الأكاديمي العلمي والبراعة في عالم البيزنس.

في العام 1981 التحق عدنان بجامعـة اليرموك الأردنية التي تلقّى فيها تعليماً ممتازاً – بحسب وصفه – ثم حصل بعد تخرجه في الجـامعة على منحـة من السوق الاوروبية المشتركة بسبب تميّزه الأكاديمي الرفيع، فانطلق الى جامعة سالفـورد في مدينة مانشيستـر البريطانية ليكمل شهادة الماجستير التي أنهاها في زمن قياسي أقل بكثير مما حددته الجامعة ،ثم أتبعها بدراسة الدكتـوراة في جامعة أكستـر البريطانية في تخصص ” تصلب الشرايين ” وتصنيع الأدوية المختلفة التي تمنع الجلطات.

في العام 1989 ، وبعد ان انهى عدنان المجلي درجة الدكتـوراة، فكّـر في العودة الى بلاده ليعمل في مجال البحث العلمي خصوصاً في الاردن وفلسطين، إلا أن ذلك لم يكن ممكناً لأنه فوجئ أنه ينتظـره آداء الخدمة العسكـرية لمدة سنتين في الأردن، ففضّـل الرحيل الى أميـركا الذي كان قد جاءه من جامعاتها عروض اكاديمية متعددة، أهمها من جامعة روتشستر في نيويـورك التي اختارها مفضـلاً إياها عن جامعتي هارفارد وديـوك.

كان انتقال البروفسور عدنان المجلي الى أميـركا بداية مرحلة مذهلة من الانجازات ، حيث لمع اسمه كواحد من اشهر رواد الاعمال العرب في الأبحاث الطبية والدوائية مسجلاً أكثر من 800 براءة اختراع، كما استطـاع أن يحوّل اختراعاته الى شركة دوائية وطبيـة قدّم من خلالها مجموعة كبيرة من الانجازات. من بين هذه الانجازات هو قدرته على تطوير روبوت يعمل على تسريع مراحل استشكاف وتطوير الادوية المختلفة، حيث يقوم بإنجاز 90 % من المهام التي يقوم بها العلماء البحثيين ، مخفّضاً عدد فريق العلمـاء المطلوب في بحث علاج جديد من 60 عالماً الى ستة علماء فقط.

هذه الابتكـارات التي تدخل في عمق العلوم والابحاث من ناحية وعالم البيزنس من ناحية اخرى جعلت المجلي مادة اعلامية مثيرة للضجة في الاعلام الاميركي ، خصوصاً عندما استطاع لاحقاً الوصول الى منهجيـة تقلل من احتمال ستة تريليـونات لوجود دواء مناسب الى 55 ألف احتمال فقط ، الى جانب توصّله الى وسائل تقنية تؤهل عدد قليل من العلماء لإنتاج أكثر من 20 ضعفاً ما ينتجه العلماء التقليديون، وهو ما أدى الى أن تكلفة الدواء منذ اكتشافه حتى وصوله للمريض أصبح تبلغ عُشـر ما كانت عليه في السابق.

مع كل هذه الانجازات مازال المجلي يتواصل مع اهله في كل من فلسطين والاردن مطلقاً برامجاً متعددة للمنح الدراسية وتكريمات الطلاب المتفوقين ، ومساهماً في تأسيس المؤسسات البحثية والدراسية من بينها جامعـة أميـركية فلسطينية.

في النهاية، لا يمكن أن يتم استعراض هذه النماذج المشرّفة لبعض من رواد الاعمال العرب استطاعوا تحقيق نجاحات كبرى في بلاد المهجر، دون أن يقفـز السؤال الافتراضي الأبدي : ماذا لو ؟ .. ماذا لو استمرّوا في حياتهم في دولهم، هل كانوا سيحققون نجاحاً شبيهاً بما حققوه عندما اتجهوا غرباً أو شرقاً ؟



# أرسل لنا خبراً أو مقالاً أو عرضاً لشركتك من هنا
# تابع قناتنا على يوتيوب Subscribe من هنا ، فيسبوك من هنا ، تويتر من هنا

اشترك في نشرتنا البريدية لمتابعة جديدنا ( لا تقلق، لن نضيع وقتك برسائل تافهة )

* indicates required

قصص ريادية

بدأ حياته يحمل الحقائب ويجمع المحاصيل: كيف استطاع جيم باتيسون تحويل مسار حياته وجمع ثروة تتجاوز 6 مليار دولار!

يخصص باتيسون 10% من ثروته للتبرع للأعمال الخيرية كل سنة، وهو ما يجعله ضمن الشخصيات الأكثر سخاءًا في تاريخ كندا.

منشور

في

بواسطة

جيم باتيسون

تعد قصة كفاح الملياردير جيم باتيسون من بين أكثر القصص إلهامًا، إذ لم يكن لعائلته ثروة، ولم يحالفه الحظ في إنهاء تعليمه الجامعي وواجه العديد من التحديات في بداية حياته، ورغم ذلك استطاع شق طريقه بمفرده دون أن يفقد الأمل.

إن أكثر ما جعل باتيسون عازمًا على النجاح هو إصراره على تغيير مسرى حياته وإنجاز ما لم تستطع أفراد أسرته تحقيقه. . فكيف استطاع باتيسون تحقيق ذلك؟

جيم باتيسون عاملًا في المزارع

نشأ جيم باتيسون في أسرة فقيرة في كندا، لم يكن أمامه سوى العمل في سن مبكرة لينفق على نفسه ويوفر نفقات تعليمه، فكان في طفولته يتكسب من العزف على آلة البوق في أماكن التخييم الصيفية، لكن ذلك لم يدر عليه الكثير من المال.

وقد عمل باتيسون في توصيل الصحف المحلية إلى البيوت، ثم عمل فترة في عدد من الفنادق في حمل حقائب النزلاء، ثم عمل في قطف الفواكه في عدد من المزارع في مواسم معينة، ثم عمل في بنزينة في موقف مخصص للسيارات.

وبعد عمله في البنزينة عمل باتيسون في متاجر لبيع الدونتس، واستمر في بيع الدونتس حتى وصل إلى المرحلة الثانوية، وقد أكسبه كل ذلك مهارات التواصل مع العملاء، وفنون الرد على كل عميل وإقناعه بالخدمة التي يقدمها له.

في الثانوية .. اكتساب مهارة تجارة السيارات

لم يكن أمام باتيسون بعد تخرجه من الثانوية سوى الاستمرار في العمل، لم يكن لديه رفاهية الجلوس وانتظار وظيفة مناسبة، فعمل فترة من الزمن في شركة لتعليب منتجات مختلفة، ثم انضم كعامل في شركة مقاولات متخصصة في بناء الجسور.

لكن عمله في المقاولات كان مجهدًا له، فقد كان يتطلب جهدًا متواصلًا وكان يقضي فيه ساعات طويلة في الشمس، فتركه وعمل في ورشة لإصلاح السيارات المستعملة، وكان في هذه الورشة يمسح التراب عن هذه السيارات ويغسلها يوميًا.

وقد شجعه عمله في ورشة السيارات في تعلم الكثير عن تجارة السيارات، وقد جرب حظه في بيع سيارة مستعملة خلال إجازة الصيف فباعها لواحدة من أكبر وكالات بيع السيارات المستعملة، مما جعل له علاقات جيدة في أكثر من وكالة سيارات.

وقد استفاد جيم باتيسون من كل الذي كسبه من عمله السابق في مواصله تعليمه، حتى التحق بجامعة كولومبيا، لكن شغفه بتجارة السيارات منعه من إكمال دراسته الجامعية، لقد أدرك أن حصوله على شهادة جامعية سيعيقه عن مواصلة انطلاقه في عالم السيارات الذي سيفتح له أبواب المجد فيما بعد.

قرض لافتتاح معرض سيارات

في بداية حياته التجارية اقترض باتيسون من أحد البنوك ليبدأ أول مشروعاته التجارية، وبمهاراته في الإقناع استطاع الحصول على موافقة البنك لاقتراض ضعف المبلغ المسموح له بالاقتراض، وهو 40 ألف دولار كندي، وعقد بذلك المبلغ شراكة تجارية مع شركة جينيرال موتورز وافتتح معرض لبيع السيارات المستعملة.

وفي عام 1961 أصبح باتيسون أكبر بائع للسيارات المستعملة في الجزء الغربي من كندا، وفي ذلك الوقت كان باتيسون مسؤولًا عن توكيلات بونتياك وبويك التي يتم إنتاجها من خلال جنرال موتورز.

وبمرور الوقت أصبح باتيسون أكبر مقدم خدمة تأجير وإدارة السيارات في كندا، كان يستقطب آلاف العملاء المهتمين بتأجير وشراء السيارات المستعملة.

شراء مؤسسات ناجحة

كان باتيسون يرى أن التوسع في أعماله يعتمد على نجاحه في شراء مؤسسات ناجحة، فاشتري في عام1965 محطة “سي جيه أوو آر” الإذاعية التي استحوذت خلال سنوات على محطات إذاعية أخرى.

وقد استمر باتيسون في شراء مؤسسات ناجحة حتى عام 2015، وتضمنت عمليات الشراء شركات تعمل في قطاعات الدعاية وتجارة الجملة والتعبئة وإنتاج المعدات الزراعية، وكان نجاحه الأكبر أنه كان يترك حرية إدارة هذه المؤسسات لمديرين أكفاء.

وقد توسع باتيسون في تجارته وافتتح سلسلة كبرى للسوبرماركت بالإضافة لمتاجر أخرى متخصصة في كل ما يتعلق بصيد الأسماك، وقد نشط في شراء بعض الفرق الرياضية مثل فريق الهوكي فانكوفر بليزرز.

وقد كان باتيسون يؤمن بالتنافسية ودورها في تنشيط كوادر العمل وخلق مساحات لتحسين جودة المنتجات طالما كان هناك اهتمام بخدمة العملاء وإرضاء كل عميل لأقصى حد  ممكن.

وبحسب تقارير مجلة فوربس فقد اشترى باتيسون طوال مسيرته ما يزيد عن 200 شركة ناجحة تعمل في نحو 25 قطاعًا متنوعًا، ويعمل بها نحو 45 ألف موظف بعدة دول مختلفة، وقد توالت نجاحات مجموعة شركاته حتى جاوزت قيمتها التسويقية نحو 8 مليار دولار.

وفي عام 1986 أصبح باتيسون رئيس معرض فانكوفر العالمي، وقد نجح في إدارته وتنظيمه حتى أصبح من أشهر المعارض العالمية حتى الآن.

وارن بافيت الكندي

إن أهم ما تميز به باتيسون طوال مسيرته المهنية هو مثابرته وعمله الدؤوب لتحقيق إنجازات جديدة باستمرار، وقد تشابهت ملامح حياته مع مسيرة وارن بافيت الملياردير الأمريكي الشهير الذي كافح لسنوات حتى حقق إنجازات مذهلة.

لقد بدأ كلاهما من عائلة فقيرة بلا ميراث أو ثروة، ورغم أن وارن بافيت أكمل تعليمه إلا أن ما يجمعهما هو قدرتهما على الاستفادة من آليات التعليم الذاتي في تطوير أنفسهما، وهو ما فعله بافيت حتى أسس واحدة من أشهر الشركات العالمية وهي شركته Berkshire Hathaway .

وكما أن بافيت عُرف عنه مغامراته في عالم الأسهم وشراؤه لحصص في شركات مثل كوكا كولا وتحقيق أرباح هائلة من ورائها، فكذلك كان باتيسون يفعل في كندا.

لقد كان كل منهما يهوى عالم الأسهم ويشتري مؤسسات ناجحة، حتى أصبح باتيسون يُقارن بوارن بافيت في كندا، وكما أن بافيت نشاطه الأساسي هو التجاره ثم انطلق منه للاستثمار في مجال الإعلام، فاستثمر في صحف مثل الواشنطن بوست وغيرها فكذلك كان باتيسون يستثمر في الإعلام وشراء المحطات والقنوات التليفزيونية.

وكما عُرف وارن بافيت بعرّاف أوماها الذي استطاع تحقيق أرباح هائلة تجاوزت 80 مليار دولار في 2019 فكذلك باتيسون عُرف عنه أنه ذلك الرجل الذي استطاع تحويل شركات غرب كندا إلى مصاف الشركات العالمية الرائدة في مختلف القطاعات وحقق من وراء ذلك مليارات الدولارات.

وفي حوار له في عام 2018 قال باتيسون أنه يرفض المقارنة بوارن بافيت لأن الأخير وصل لمكانة قل من يصل إليها في ريادة الأعمال، يعترف باتيسون بتفوق بافيت عليه وتضاعف ثروته بشكل يتجاوز ثروة باتيسون بكثير، إلا أن ذلك لا يمنع أن بينهما الكثير من أوجه التشابه.

جيم باتيسون وحبه للأعمال الخيرية

لم يكن باتيسون رائد أعمال فحسب، بل كانت له مشاركات في خدمة مجتمعه وزيادة الأعمال الخيرية به، فقد تبرع بملايين الدولارات للعديد من المؤسسات الخيرية والمستشفيات بهدف توفير نفقات المرضى وتطوير أوجه العلاج.

وقد تبرع باتيسون لمستشفى فانكوفر ونال عن ذلك تكريمات عديدة من المجتمع الكندي، مثل حصوله على وسام الاستحقاق الفخري في  كندا لكونه من أكثر رجال الأعمال تبرعًا للمجتمع المدني.

لقد كان جيم باتيسون يخصص 10% من ثروته للتبرع للأعمال الخيرية كل سنة، وهو ما يضعه ضمن الشخصيات الأكثر سخاءًا في تاريخ كندا.


# أرسل لنا خبراً أو مقالاً أو عرضاً لشركتك من هنا
# تابع قناتنا على يوتيوب Subscribe من هنا ، فيسبوك من هنا ، تويتر من هنا

اشترك في نشرتنا البريدية لمتابعة جديدنا ( لا تقلق، لن نضيع وقتك برسائل تافهة )

* indicates required
تابع القراءة

قصص ريادية

هنري نستله : رائد صناعة المنتجات الغذائية في العالم ..كيف تحول بكاء طفل صغير إلى ثروة هائلة؟

استطاع التغلب على التحديات في حياته حتى نجحت نستله في أن تغزو ما يقرب من 200 دولة مختلفة، بطاقم عمل يقترب من نحو نصف مليون موظف.

منشور

في

بواسطة

هنري نستله

رغم أن هنري نستله مؤسس الشركة كان ينتمي لعائلة فقيرة تعمل في صناعة الزجاج إلا أنه استطاع أن يتغلب على التحديات التي واجهته في حياته حتى نجحت نستلة في أن تغزو ما يقرب من 200 دولة مختلفة، بطاقم عمل يقترب من نحو نصف مليون موظف. . فكيف نجح هنري نستلة في ذلك؟

الآن تعتبر شركة نستله من بين أكبر شركات المواد الغذائية عالميًا، وتنال بعض منتجات هذه الشركة شهرة طاغية بسبب الحملات الإعلانية التي يحبها الكبار والصغار، فكيف استطاع هنري تحقيق كل هذا؟ إليكم القصة كاملة.

كفاح هنري نستله منذ الطفولة حتى الجامعة

وُلد هنري نستله في عام 1814 في فرانكفورت بألمانيا، وكان ينتمي لعائلة فقيرة، وعمل من صغره في صناعة الزجاج، واستمر في مساعدة أبيه وأمه حتى بدأت حياته الجامعية، فتخصص في علوم الكيمياء والصيدلة.

وفي عام 1836 سافر هنري نستلة إلى مدينة فيفي بسويسرا، وكان عمره حينها 22 سنة، فالتحق بدورة تدريبيّة تؤهله للعمل بعد التخرج من الجامعة، ونجح من عمله في جمع قدرًا من المال استطاع به أن يؤسس مصنعًا صغيرًا لبيع زيت الجوز، وكان عمره حينها أقل من 30 عامًا.

إنتاج حليب لطفل يشكو من سوء التغذية

جاءت أول إسهامات هنري نستلة في مجال المنتجات الغذائية عندما علم بقصة طفل تعرض لسوء التغذية بعد أن رفض الرضاعة الطبيعية، حزن نستلة على حال هذا الطفل الذي كان يبكي باستمرار.

 وقرر إنتاج حليب يتم تصنيعه من خلال الحليب البقري مع إضافات من الدقيق والسكر، ليكون بمثابة بديل صحي مناسب يلائم هذا الطفل وأمثاله، وظل يواصل الليل بالنهار ليتمكن من تصنيع منتج عالي الجودة وآمن في نفس الوقت.

وتمكن أخيرًا من تصنيع منتج جديد لحليب الأطفال وأسماه “farine lactée”، فاستطاع الطفل المصاب بسوء تغذية هضمه بسهولة، ونجح نستلة في إقناع عددًا من الناس بجدوى هذا المنتج وقدرته على أن يكون البديل الآمن للرضاعة الطبيعية.

في البداية لم تتلق الأمهات منتج نستلة إلا بمزيد من الاندهاش، فلقد كانت الشكوك تعتريهم من نجاح هذا المنتج ومدى فعاليته، فاستمر هنري في تحسين إنتاج شركته من هذا الحليب، حتى بدأ الإقبال عليه في عام 1867.

شعبية شركة نستله ودمجها مع شركة أخرى

لاقت منتجات هنرى نستلة رواجًا كبيرًا من عام 1870، فقد نجح في تسويق منتجاته والترويج لها في أكثر من دولة، ووضع على كل منتج شعارًا على شكل بيت للطيور، كرمز للأمومة والعاطفة، وذاع صيت شركة نستلة ومنتجاتها حتى أصبحت من أفضل الشركات التي تبيع المنتجات الغذائية المخصصة للأطفال في أوروبا.

ثم بدأ هنري في تصنيع منتجات جديدة، مثل القهوة المجففة التي نسميها الآن النسكافيه، والحليب الممتزج بالشيكولاتة، والقهوة المثلجة، وفي سنة 1875 تقاعد هنري نستلة، وباع شركته مقابل مليون فرنك سويسري، وتم دمج شركة نستلة مع شركة أخرى تعمل بنفس المجال في عام 1906، فزادت منتجاتها وتضاعفت أرباحها.

تحديات الحرب العالمية وخطط التوسع

واجه هنري نستلة تحديات جمة بسبب تداعيات الحرب العالميّة الأولى، إذ كان من نتائج هذه الحرب عدم توافر مصادر الحليب وبعض المنتجات الأساسية، لقد فرض الركود الناتج عن الحرب أوضاعًا مأساوية بشكل لم يكن يتوقعه أحد.

وكانت أسعار المواد الأولية قد ارتفعت، مما صعّب المهمة على شركة نستلة لإيجاد حلول سريعة لتوفير منتجاتها والعودة إلى المنافسة مرة أخرى، وإلى جانب ذلك اعتمد بعض الناس على الحليب البقري الطازج، مما ضاعف من خسارة شركة نستلة.

ورغم ذلك حاول هنري نستلة توفير المواد الخام للتصنيع من أكثر من دولة، وتوسيع قاعدة الإنتاج، وفي أواخر الثلاثينات استطاعت شركته إنتاج مجموعة من أشهر منتجات نستلة، وهي: نسكافيه ريكوري، وسانتاماريا، ونيدو، وركوفي، وسيريلاك.

وفي عام 1948 أنتجت نستلة “نسكويك”، وهو عبارة عن بودرة كاكاو تذوب بكل سهولة في الحليب البارد، وفي عام 1986 أنتجت نستله نسبريسو الذي غير تجربة تناول القهوة في العالم.

لقد طورت نستله من المنتجات المعلبة، وأتاحت صلاحية طويلة للأطعمة بداخلها، وجعلت من السهل تسخينها، لقد كانت نستلة هي الأب الروحي للمعلبات التي نشتريها الآن من المتاجر كل يوم.

الأبحاث العلمية حجر الزاوية في نجاح نستله

من التسعينات بدأت نستلة تضاعف خطوط إنتاجها، وتوزع هذا الإنتاج على أكبر عدد ممكن من الدول، وفي عام 1904 استطاعت شركة نستلة تصدير منتجات Peter & Kohler إلى أسواق عالمية جديدة، واستطاعت ابتكار منتجات جديدة في معامل حديثة، وتسويقها بشكل ذكي في المزيد من الأسواق العالمية.

لقد طورت نستلة في معاملها منتجات العناية بالحيوانات، وحتى منتجات العناية بالبشرة، وتوسعت في عام 2011 في قطاعات التغذية والصحة من خلال تأسيس معهد متخصص أسمته: معهد نستلة لعلوم الصحة، ومن خلاله قامت بتطوير منتجات غذائية مفيدة لمرضى الشيخوخة وبعض مرضى العلل الدماغية.

ومن خلال هذا المعهد كانت نستلة رائدة في الجهود العالمية المبذولة للتغلب على تحديات سوء التغذية وأمراض النمو واضطرابات السمنة، فقد اهتمت بتوفير منتجات تعمل على تقليل نسبة الملح والسكر والدهون المشبعة، وقامت بتصنيع المزيد من المنتجات الغذائية التي تتضمن أكبر قدر من الفيتامينات.

لم يأت كل نجاح هنري نستله من فراغ، لقد كان يهتم في كل مرحلة من مراحل التصنيع بالأبحاث العلمية في معامل حديثة مجهزة، ولقد كان انتشار خطوط السكك الحديدية وتطور وسائل النقل عاملًا إضافيًا في نجاح تسويق منتجات هنري نستلة.

لم يكن هنري نستلة رائد أعمال بالمفهوم التقليدي الشائع الآن لدى كثير من الشباب المتحمس لتحقيق ثروة فحسب، بل كان نموذج لرائد الأعمال الذي يربط بين احتياجات الناس وبين أعماله، ويوفر لهم ولأطفالهم هذه الاحتياجات بأفضل جودة ممكنة، عبر سلسلة طويلة من الكفاح والمثابرة.



# أرسل لنا خبراً أو مقالاً أو عرضاً لشركتك من هنا
# تابع قناتنا على يوتيوب Subscribe من هنا ، فيسبوك من هنا ، تويتر من هنا ، ولينكيدإن من هنا

اشترك في نشرتنا البريدية لمتابعة جديدنا ( لا تقلق، لن نضيع وقتك برسائل تافهة )

* indicates required
تابع القراءة

قصص ريادية

بعد الطرد من الوظيفة لأكثر من مرة: كيف استطاعت أنيتا روديك مؤسسة ذا بودي شوب تحقيق ثروة تتجاوز 200 مليون دولار؟

في سنة 1984 بلغ عدد متاجر ذا بودي شوب نحو ألفي متجر تقوم بخدمة نحو 80 مليون عميل في 50 دولة مختلفة.

منشور

في

بواسطة

أنيتا روديك

أنيتا روديك هي سيدة بريطانيّة استطاعت تأسيس علامة تجارية حازت شهرة طاغية وهي ذا بودي شوب The Body Shop، لم تعرف الكثير عن ريادة الأعمال من الكتب بل تعلمت من خوض التجربة بنفسها وتحمل مشاق كفاح البدايات، فكيف نجحت روديك في ذلك؟

طفولة أنيتا روديك في أحضان عائلة مهاجرة

وُلدت أنيتا روديك في عام 1942 في إنجلترا لأسرة إيطالية مهاجرة، وكانت أمها تدير مقهى صغير لا يدر الكثير من الأرباح كل شهر، مما اضطر أنيتا روديك للعمل أثناء دراستها لتوفر نفقات التعليم.

واستمرت روديك في الجمع بين العمل والدراسة لسنوات، وجعلها عملها تكتسب مهارات جديدة، وقد تعلمت من أمها أن كونهم من أصول إيطالية في بلد مثل انجلترا يعني أنه لا بديل عن الكفاح كل يوم لتوفير نمط حياة أفضل.

انفصال الأبوين والاهتمام بالتعليم

وعندما بلغت الثامنة من عمرها تعرضت روديك لصدمة نفسية عنيفة بسبب انفصال أبويها، في ذلك الوقت دخلت روديك في اكتئاب حاد وانطوت على نفسها، واستمر ذلك سنوات حتى تزوجت أمها من رجل آخر.

وكل هذه الأحداث جعلت روديك تنكب على التعليم، فأكملت دراستها بتفوق حتى أنهت الثانوية ثم التحقت بكلية الآداب، وعندما تخرجت من الجامعة بدأت تعمل في التدريس.

الطرد من الوظيفة ثم السفر لجنوب إفريقيا

من بعد التدريس عملت روديك في عدد من الوظائف المختلفة وكان يتم طردها لاختلافها مع مدرائها، فاتجهت إلى بيع الصحف اليومية ثم قررت أن تسافر بكل النقود التي جمعتها وتكتشف الحياة في دول أخرى مثل فرنسا وأستراليا ومدغشقر وموريشيوس وجنوب إفريقيا.

وعملت روديك في جنوب إفريقيا كمعلمه، لكنها تعرضت للطرد أيضًا من هذه الوظيفة بسبب عنصري، وهو مخالطتها لسود البشرة في إحدى الأمسيات الغنائية، وكان من نتاج ذلك أن تم القبض عليها وترحيلها خارج جنوب إفريقيا.

وعن حادثة الطرد الأخيرة من وظيفتها بجنوب إفريقيا ثم ترحيلها تقول أنيتا روديك في سيرتها الذاتيّة: أنت تغيّر قيمك حين تغيّر مبادئك، وحين تقضي شهورًا مع أناس طبيعيين يفركون جلودهم بزبدة الكاكاو ويغسلون شعرهم كل يوم ثم تجد أمورًا عنصرية تحدث بحقهم فأنت حتمًا ستتأمل كل أفكارك السابقة.

زواج أنيتا روديك ثم افتتاح مطعم وفندق

عندما عادت أنيتا روديك مرة أخرى لانجلترا تعرفت على شاب اسكتلندي كان يكتب قصائد الشعر والقصص، فأحبته وتزوجته، ثم افتتحا معًا مطعمًا، وقد لاقي مطعمها نجاحًا وأقبل عليه الناس، مما شجعهما لافتتاح فندقًا.

كان ذلك الفندق غاية في البساطة، كان يتكون من 8 غرف فقط، لكن واجهتهما مشكلات عديدة في إدارة هذا الفندق مما كان يشعل فتيل الخلاف بينهما، فأغلقا هذا الفندق لعدة سنوات، وبعدها سافر زوجها للأرجنتين ثم للولايات المتحدة الأمريكية.

مرض أنيتا روديك وابنتها

دخلت روديك في معاناة أخرى حينما أنجبت ابنتها جاستين التي كانت بحاجة إلى نقل دم خلال ولادتها ثم اتضح أنها تعرضت لنقل دم ملوث بفيروس الإلتهاب الكبدي، وهو الأمر الذي نتج عنه إصابة روديك نفسها فيما بعد بأمراض في الكبد.

ولكنها احتملت ذلك المرض وتولت تربية أبنائها ثم قررت التفكير في تغيير نمط حياتها المهنية من خلال تأسيس علامة تجارية ذات مواصفات خاصة.

تأسيس علامة ذا بودي شوب

في عام 1976 افتتحت أنيتا روديك متجرًا لبيع مواد تجميل يتم تصنيعها من مواد طبيعيّة، وقد ساعدتها ميزة تواجد هذا المتجر في مكان فريد من نوعه في مدينة برايتون بجانب دار جنازات معروفة، وقد حرصت على كثرة المنتجات لديها، وكل ذلك جلب لها عملاءًا كثيرين.

وقد جهزت روديك هذا المتجر من رهنها لفندقها القديم بنحو 6 آلاف دولار، وقد لاقت منتجاتها رواجًا مع اتجاه العديد من عملاء هذا القطاع للتحول إلى منتجات التجميل الطبيعية، مما ضاعف من مبيعات روديك.

وقد قررت روديك أن تميز متجرها عن سائر المتاجر المجاورة فقامت بطلائه باللون الأخضر تحت شعار العودة للطبيعة ومنتجاتها، وقررت تعميم استخدام العلب البلاستيكيّة المستعملة في متجرها بهدف التدوير وحماية البيئة.

خطط التوسّع وافتتاح فروع فرنشايز

بعد شهور من الافتتاح نجح متجر أنيتا روديك بشكل فاق تصوراتها، وأصبح لها شعبية طاغية في الأوساط الشبابية ممن آمنوا بأفكار العودة لمنتجات طبيعية، فافتتحت متجرها الثاني، واستطاعت تجهيزه من خلال بيع ممتلكات قديمة لديها.

وعندما عاد زوجها من سفره عام 1977 شاركها في هذه المتاجر، فاتسع نشاطها وتضاعف عدد عملائها، وأعطت روديك حقوق امتياز متاجرها لعدد من المتاجر الأخرى التي أرادت أن تكون هي الأخرى نافذة لنجاح روديك.

في ذلك الوقت لم تكن حقوق الامتياز أو ما يعرف بالفرنشايز فكرة معتادة، كان مبدأ هذه الفكرة بسيطًا: تحصل على اسم متجري مقابل نسبة محددة من الأرباح نتفق عليها، وهي معادلة ناجحة لكل الأطراف إذا كانت هناك مبيعات جيدة.

وكان على روديك أن تختار بعناية أصحاب المتاجر الذين يسعون للحصول على حقوق امتياز متاجرها ليواصلوا نجاحها، ولئلا يكونوا عقبة تقلل من حجم مبيعات منتجاتها.

وفي سنة 1984 بلغ عدد متاجر ذا بودي شوب نحو ألفي متجر تقوم بخدمة نحو 80 مليون عميل في 50 دولة مختلفة، وعندما قررت روديك طرح أسهم متاجرها في البورصة بلغت ثروتها نحو 200 مليون دولار.

التكريم والأعمال الخيرية

بعد مسيرة حافلة نالت أنيتا روديك العديد من الجوائز منها جائزة ملكة بريطانيا عام 2003، وقد قررت في آخر عمرها التبرع بجميع ثروتها للجمعيات والمؤسسات الخيرية.

لقد كانت حياة أنيتا روديك مزيجًا من المعاناة والكفاح والأمل وخيبات الأمل، وهي نموذج يلهم بضرورة الإيمان بالذات والكفاح المستمر لتحقيق الإنجازات مهما كانت التضحية.


# أرسل لنا خبراً أو مقالاً أو عرضاً لشركتك من هنا
# تابع قناتنا على يوتيوب Subscribe من هنا ، فيسبوك من هنا ، تويتر من هنا ، ولينكيدإن من هنا

اشترك في نشرتنا البريدية لمتابعة جديدنا ( لا تقلق، لن نضيع وقتك برسائل تافهة )

* indicates required
تابع القراءة

الأكثر رواجاً